ابن الحسن النباهي الأندلسي
30
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
عنقه وجعل يقول : « أبيت كما أبت السماوات والأرض ، إباية إشفاق ، لا إباية نفاق ! » فكتبوا إلى الأمير بلفظه ؛ فكتب إليهم أن « سلّموا أمره وأخرجوه عن أنفسكم ! » فقالوا له : « انصرف ! » فانطلق عنهم ولم يهيجوه بعد . وقد شدّد بعض العلماء على الفارّ منه ، إذا كان ممّن توفّرت فيه دواعيه . فنقل عن سحنون أنه قال : إذا كان الرجل أهلا لخطّة القضاء ، فاستعفي منها ، عوفي منها إن وجد لها عوض منه ؛ وإن لم يوجد ، أجبر عليها ؛ فإن أبى ، سجن ؛ فإن أبى ، ضرب . قال الشعبانيّ : فإن لم يوجد غير واحد ممّن يشكل للقضاء ، أجبر عليه بالسجن والضرب . ومن جامع « كتاب الاستغناء » : وإن كان الداعي له إلى العمل غير عدل ، لم يجز لأحد إعانته على أموره ؛ لأنه متعدّ في فعله ؛ فيجب له أن يصبر على المكروه ، ويدع العمل معه ؛ وإن كان عدلا ، جاز بالعمل معه ، ويستحبّ له إعانته . انتهى . والذي يظهر من كلام مالك ، الأخذ بالترك ، والتحذير من الولاية على كلّ تقدير ، فقد روى عنه ابن وهب في الرّجل يدعى للعمل ، فيكره أن يجيب إليه ، وخاف على دمه ، وجلد ظهره ، وهدم داره . كيف ترى في ذلك ؟ فقال : أمّا هدم داره وجلد ظهره وسجنه ، فإنّه يصبر على ذلك ، ويترك العمل خير له ، وأمّا أن يباح دمه ولا أدري ما حدّ ذلك ، ولعلّه في سعة من ذلك إن عمل . وقال الأبهريّ : إن دعي إلى العمل ، فأبى ، وخشي ضرب ظهره أو على دمه أو سجنه ، فأمّ الضرب والسجن ، فإن صبر ، فهو أفضل ؛ وأمّا دمه ، فإن عمل ، فعله في سعة أن يجري العدل والإنصاف ؛ وإن لم يمكنه ، لم يجز له أن يتعدّى الحقّ ، ويصبر على ما يلحقه من المكروه ، إذ لا يجوز له أن يبطل حقّ المسلمين وحريمهم لنفسه . ومن كتاب ابن حارث : لمّا توفي يحيى بن معن ، بقي الناس بلا قاض نحوا من ستّة أشهر ، روّى فيها الأمير عبد الرحمن في الإيتاء للقضاء ، فقلق الناس لذلك ؛ فقال : « واللّه ! ما يمنعني من التعجيل إلّا النظر لهم ! فإني لا أجد رجلا أرضاه ، غير واحد ، وهو لا يجيبني ! » فقال له أحد جلسائه : « فإذا أرضيته للقضاء ، وأباه ، فالزمه أن يدلّك على سواه » . فأحضر يحيى بن يحيى « 1 » وألزمه أن يشير عليه ، إذ لم يجبه ،
--> ( 1 ) هو يحيى بن يحيى بن كثير الليثي ، عميد الفقهاء وشيخ قرطبة ؛ توفي سنة 233 ه ، وقيل : سنة 234 ه .